سياسة صخب الجوائز

الرابط المختصرhttps://wp.me/pash2i-4sB

سياسة صخب الجوائز

Linkedin
Google plus
whatsapp
أغسطس 21, 2019 | 4:37 م

سياسة صخب الجوائز

بقلم / ساطع راجي
أفضل الجوائز هي المثيرة للصخب والامتعاض والبلبلة؛ التي تصدم الكثيرين وتثير غضبهم الى حد عدم القدرة على تجاهلها؛ هذا النوع من الجوائز يحقق الغاية القصوى للابداع؛ اي الاستفزاز؛ هكذا جوائز قد تثير الغضب والحسد ولكنها يجب ان تدفعنا الى التفكير ايضا في ما استقرت عليه عقولنا من اصول وأسس تتحكم في ردود افعالنا وتقييمنا لما نظن اننا نعرفه جيدا بوعي منا او بغير وعي حتى يتلبسنا الجمود ونظن ان كل البشر يتبنون احكامنا.

 

رغم ادعاء المثقفين انهم الاكثر دفاعا عن حق الاختلاف الا انهم ينعطفون بسرعة نحو التشدد فيما يتعلق بما يظنونه صميم عملهم وجوهر خبرتهم التي بذلوا حياتهم في تحصيلها؛ حتى وان كان العمل والخبرة يخضعان للولاءات والانتماءات والميول والقرابات والصداقات وينتقلون من النقاش الهادئ العقلاني الى التهجم الوقح عندما تسير الامور بعكس توقعاتهم او رغباتهم؛ ولا يتركون مجالا للتساؤل عن سبب حدوث الاشياء خلافا لما يتوقعون؛ وفي موضوع الجوائز تحديدا لا يتركون لانفسهم فرصة للبحث فيما لو كان العالم قد غير ذائقته واساليب تلقيه وتعبيره؛ واللافت ان ردود الافعال السلبية والايجابية على السواء بسبب تسرعها تمنع المتابعين من البحث عن تاريخ الجائزة والقائمين عليها وقيمتها الاعتبارية وحتى المادية احيانا وآلية منحها بل ويجهلون الفائز السابق بها وربما ماكانوا ليسمعوا بها لولا ان احد العراقيين فاز بها او كاد يفوز.
صناع الجوائز؛ وقبلهم ممولوها يدركون جيدا ان قوة الجائزة هو ليس فقط بقيمتها المالية او الاعتبارية وانما اساسا بما تحققه من شهرة؛ والاساس في الشهرة هو الاستفزاز من وقت لآخر؛ للأسف في هذه النقطة قد يلتقي التهريج بالإبداع، الجائزة تسير بضع دورات بهدوء واحيانا بترتيب وتنسيق لإرضاء الجمهور بحسب البلدان والجغرافيا حتى اذا استقرت الجائزة في النفوس والعقول وصارت تقليدا قد يتجه الى الركود والنسيان عمد القائمون عليها باستفزاز الجمهور الذي يكون قد ابتلع الطعم عندما اشاد بالجائزة يوم حصل عليها من ينسجم مع الذائقة السائدة او من يرضي غرور الهويات والقرابات؛ فلا يمكن لاحقا انتقادها او التشكيك بها والا نالت السمعة السيئة نجما وطنيا او قوميا او طائفيا؛ ولذلك يمتلك القائمون على الجائزة سلطة الاستفزاز والاثارة التي تعمل على التحكم بالتوجهات الثقافية؛ فالعمل الفائز يفتح طريقا لتقليده فتكون الجائزة مفتاحا كبيرا لتحقيق السياسة الثقافية.
الجوائز الثقافية مهمة جدا في منح المتلقي دليلا مختصرا يساعده على اختيار ما يستمتع به او يتعلم منه في هذا السيل الجارف من المطبوعات والمنتجات الفنية على تعدد حقولها؛ وهي بهذا ايضا تتحكم بالذائقة وترسخ تقاليد محددة للتلقي قد تؤدي لاحقا الى استبعاد او تحجيم كل ما هو مختلف عن هذه التقاليد بدرجة تصل الى استهجان الاعمال التأسيسية والابداعات المهمة وتحويلها الى حقل للدراسات المملة وليست للتعاطي الفكري والجمالي.
التصدي للجزء الخطير السلبي من تأثير الجوائز الثقافية يكون بالنقد العلمي المرصن بالمعرفة وبالكشف الثقافي الموضوعي لتوجهات السياسات الثقافية التي تقف خلف كل جائزة وليس بالخطابات الشعبوية بصيغتها العشائرية المؤيدة او الرافضة للفائزين.

اترك تعليق

مواضيع عشوائية